صراع الذوات

نسختي المطورة أم ذاتي الفطرية؟

‏كان دوستويفسكي يُحاول أن يخبرني من أنا، وسقراط كيف أصبح أنا، و نيتشه كيف أصبحت أنا، وكارل ماركس من أين أتى الأنا، وكامو باستطاعتي أن أكون أنا، وسارتر أكون كما أريد أن أكون،

كل هذه الفلسفات و عبر التاريخ تبحث في جذر المعاناة الإنسانية “لماذ نشعر دائماً أننا غرباء عن أنفسنا”
‏عندما يموت الشغف داخل الإنسان، يبدو العالم شيئاً مألوفا، تتوقف رغبة الإنسان الجامحة في التحرر من المعقول.

‏‎‎هذا العالم يحكمه الصراع و أشدها هو محاولة الروح التحرر من كثافة هذا العالم حتى تعود إلى عالمها الحقيقي.
‏ فكل ما خرج الإنسان بنفسه من صراع فهو يدخل دون علمه في دائرة صراع أعمق وأوسع من سابقه، حتى التقى بنفسه.

“أنا خرجت للبحث عن نفسي”
– هيراقليطس؛ كان هذا الشعار الذي حرر الفيلسوف في داخل هيراقليطس، وهذا ما دعا فرويد أبو علم النفس الحديث لأن يعتبره أول عالم نفس إلتفت إلى النفس البشرية بدلًا من الإنشغال بالبحث في العالم الخارجي كما هو السائد.

فتاريخ الإنسان الذي تركه في آثاره ومخطوطاته عبر آلاف السنين، اكتشفنا منه أن إنسان الماضي أكثر ولعاً بمعرفة حقيقة نفسه وقدرته الكامنه، وأكثر بحثا وتأملا حيث بدأ بتأمل الخارج ليصل إلى مفاتيح الداخل.

‏‎لذلك أُولى العلوم التي تعلمها الانسان هو علم الفلك لبعدها عنه، وآخر العلوم كانت علم النفس لانها تكشفه،
لذلك الشعور بأننا غرباء عن أنفسنا، الفضل الكبير في اكتشاف معظم العلوم وتسجيلها، وذلك لأن الجسد الفكري وظيفته الرئيسة هي حماية الجسد المشاعري من الألم، لذلك لا تتحرر مشاعرنا ونبقى غرباء وكأننا نعيش حياة بالتبني!

إن تلك الفلسفة كانت عمود الفيثاغورية حيث جوهر المعاناة نابعة من التباين بين جوهر الإنسان وطبيعة العالم المادي.

الإنسان هو الصورة النهائية لتراكم التاريخ، و هو إتحاد جزء من تاريخ الوعي يمتد من الإنسان الأول و يتجاوز الوجود المحسوس للإنسان.

ما يشكل حقيقة عالمك اليوم هو تصور العالم من خلال تطور الوعي، فكثير ما يشكل حياة الإنسان اليوم هو قادم من عصور غابرة.
حتى ديننا الإسلامي الحنيف هو اتحاد رسالتين موحدتين ومطورة للأديان الآخرى.
ورسولنا محمد صل الله عليه وسلم عرفه اليهود والنصارى قبل معرفتنا به عن طريق رسالة الله لهم في صحفهم المقدسة.
وجاء محمد بن عبدالله للعقول بإجاباته الشافية، في أول  رسالة حملها البشرية في قوله تعالى :(إقرأ باسم ربك الأعلى)، وقوله (علم الإنسان مالم يعلم).

فذلك العلم الذي تعلمته أيها الإنسان فهو عطاء خالقك ونعمة لعقلك تحفظه من تيهانه في السؤال.

ولكن أتعجب كثيرا! لمن ينفون نظرية التطور الذهني وينغلقون على علومهم بحجة أنها نقية ويخافون أن تحرف، أليس هذا الفكر هو حفيد لذاك وأب للقادم؟!

ألست أنت نفسك في نظر العلم نسخة مطورة من إنسان الكهف ورجل الغاب؟ “بغض النظر عن رأي داروين المشوه”.
فلا تكن منغلقا فكريا، واجتماعيا، فتنظر للآخر”المخالف لفكرك وشعائرك” من خلف سور الحماية من العدو، وتذكر أنك منفتح ماديا معهم وفكرك لم يمنعك من ذلك،

فلقد شاركتني قراءة مقالي الآن مع هذه الشاشة الإلكترونية التي صنعوها بأيديهم، فتأمل لتعرف حقيقة فكرك ودعائمه التي بنته ماهي أساس تطورها؟
تأمل ثقافتك وماشابهها ومنشأها!
تأمل سيارتك الفارة التي تقلك!، وتخيل أنها كانت حلقة من قش في أيدي أطفال الأغريق  يوما ما!، ثم إطارات خشبية في أيدي اليونان، ثم دافعات ثلاثية، فبخارية في معمل دافنشي، فمطاطية وبترولية من مصانع ألمانيا.

فكيف لك أن تنكر تطورك أيها الإنسان، وتناقض طبيعتك؟.
أن قابلية التطور التي لديك هي الميزة التي جعلتك تعمر، وتتعامل مع كافة الموجودات في كوكبك وهذه ميزتك الفريدة لتكون خليفة على هذا العالم.

“نحن شعوب خُلقنا لنأخذ من بعض ونطور بعض، لا لننغلق ونسفه الآخر”
* فكن منفتحا ذا وعي بالماضي والحاضر، وجرب جناحا ذهنك ودربه على التحليق خارج الحدود للمستقبل، كما فعل عباس بن فرناس وخَلق من جناحيه فكرا لنا، مازال محلق بنا وكل العالم، وجعل العالم بين أيدينا كأمنية، نتحسسها وتخرج لنا مع ماردِ علاء الدين.

فالسؤال لك هنا: هل إذا خيرت بين هذا التطور بين يديك وبين أن تعود على فطرتك وتبدأ في رحلة البحث الجديدة دونما تلقين أو تخيير، هل ستختار نسختك المطورة، أم ستعود لذاتك؟.

#مقال فلسفي #مريم السفياني

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s